الحلبي

427

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فقد قال الحافظ الجلال السيوطي رحمه اللّه : وأغرب ابن حزم رحمه اللّه تعالى ، فادعى أن النفخ في الصور يقع أربع مرات ، فعليه تكون هذه النفخة ليست هي المذكورة في القرآن ، وأنها تكون في الموقف بعد النفخة الثالثة التي هي نفخة البعث التي بسببها يكون القيام من القبور إلى المحشر المعنية بقوله تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : الآية 68 ] وهذه النفخة الرابعة تسمى نفخة الصعق أيضا ، لأن بها يحصل لجميع أهل السماوات والأرض في ذلك الوقت غشي وهو شبيه بالموت ، ويكون أول من يفيق من تلك الصعقة هو صلى اللّه عليه وسلم ، وحينئذ يجد موسى عليه الصلاة والسلام آخذا بقائمة من قوائم العرش ، ويكون قوله : « أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أنا أول من رفع رأسه ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش » من تخليط بعض الرواة . وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب بأنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر بقوله لا أدري قبل أن أعلمه اللّه تعالى بأنه أول من تنشق عنه الأرض على الإطلاق ، وأن موسى عليه الصلاة والسلام سبقه إلى العرش لأنه صلى اللّه عليه وسلم بعد خروجه من الأرض ينتظر خروج أهل البقيع ، ومجيء أهل مكة فليتأمل ذلك . وأول من يمر على الصراط ، وأول من يدخل الجنة ومعه فقراء المسلمين ، وأن له الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة . وقيل إنه في الجنة لا يصل لأحد شيء إلا بواسطته صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه لا يقرأ في الجنة إلا كتابه ، ولا يتكلم في الجنة إلا بلسانه . ومما شارك فيه الأنبياء في هذا القسم ، أن من دعاه صلى اللّه عليه وسلم ، في الصلاة تجب عليه الإجابة قولا وفعلا ولو كثيرا ، ولا تبطل صلاته بالنسبة لنبينا صلى اللّه عليه وسلم بخلاف غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنها تبطل . ومنه أيضا العصمة من الذنب مطلقا كبيرا أو صغيرا عمدا أو سهوا ، وعدم التثاؤب والاحتلام ، لأن كلا من الشيطان ، ولم ير أثر لقضاء حاجته صلى اللّه عليه وسلم ، بل كانت الأرض تبتلعه ويشم من مكانه رائحة المسك . قال : وأنه صلى اللّه عليه وسلم كان ينظر بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء . واستشكل بما جاء : « أنه صلى اللّه عليه وسلم لما ابتنى بأم سلمة رضي اللّه عنها دخل عليها في الظلمة ، فوطئ صلى اللّه عليه وسلم على ابنتها زينب فبكت ، فلما كانت الليلة القابلة دخل صلى اللّه عليه وسلم في ظلمة أيضا فقال : « انظروا ربائبكم لا أطأ عليها » وزينب هذه ولدتها من أبي سلمة بالحبشة ، ودخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يغتسل وهي إذ ذاك طفلة فنضح صلى اللّه عليه وسلم وجهها بالماء ، فلم يزل ماء الشباب بوجهها حتى عجزت وقاربت المائة سنة . وكان صلى اللّه عليه وسلم ينظر من خلفه كما ينظر أمامه ، أي وعن يمينه وعن شماله ، فقد جاء : « إني لأنظر إلى ما وراء ظهري كما أنظر إلى أمامي » فقيل كان له صلى اللّه عليه وسلم بين كتفيه